خواطر وحكم

الحسن البصري

يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرنّ من الخير شيئًا وإن هو صغر.

حصافة أم واستيعاب موقف.. ماذا أخفت منى عن أمها؟

03/03/2016
الكاتب: د. محمد رشيد العويد

دخلت الأم غرفة ابنتها منى لتدعوها إلى تناول طعام الغداء الذي صار جاهزاً على المائدة ؛ لكن منى التي فوجئت بأمها وهي واقفة بباب غرفتها اضطربت وصارت تخفي أوراقاً كانت بين يديها في حقيبتها المدرسية.لاحظت أمها ذلك، وبدا لها واضحاً اضطراب ابنتها واحمرار وجهها وهي تخفي الأوراق في حقيبتها. تجاهلت الأم ما لاحظته ودعت ابنتها إلى المبادرة إلى غرفة الطعام لتناول الغداء.خلال تناول الطعام كانت منى تخطف نظرات عاجلة إلى وجه أمها تحاول أن تعرف منه إذا كانت قد انتبهت إليها وهي تخفي أوراقها.بعد أن أنهت منى غداءها، وغسلت يديها، وتوجهت إلى غرفتها، تبعتها أمها، وأغلقت وراءها الباب.

أدركت منى أن أمها رأتها وهي تخفي أوراقاً في حقيبتها فزاد وجيب قلبها وارتباكها وعاد الاحمرار إلى وجهها. أمسكت الأم كفيّ منى في حنان وهي تقول لها: لا أريد أن أسألك عن تلك الأوراق التي أخفيتها في حقيبتك؛ لأنني أريد أن أسألك عن ما هو أهم من هذا.على الرغم من الطمأنينة التي شعرت بها منى في إمساك أمها بيديها فإن ضربات قلبها مازالت متسارعة ولهذا ردت على أمها وقد جفَّ ريقها في حلقها: تفضلي يا أمي. قالت أمها: إذا كنت أجهل ما فيها فهل يجهل ربنا ما فيها؟ ردت منى على الفور: لا يا أمي، طبعاً لا، فربنا يعلم كل شيء.سألتها أمها: ومن أحق أن تخشيه أكثر: أمك أم ربك سبحانه أجابت: ربي أحق أن أخشاه.قالت أمها: يقول الله تعالى ((أتخشونهم؟ فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين))، ويقول سبحانه ((وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)). وما دمت يا منى قد أقررت بأن عليك أن تخشي الله أكثر من خشيتك أمك، بل من خشية الناس جميعاً، فينبغي أن تذكري دائماً منولا تنسي أبداً أن الله الذي تخشينه يراك في كل حين وكل مكان.

سالت الدموع غزيرة على وجنتي منى، ثم ألقت برأسها على صدر أمها التي أحاطتها بذراعها وهى تمسح على رأسها في حنو بالغ.قالت منى وهي تجهش في البكاء: هذه الأوراق يا أمي… قاطعتها أمها: لا أريد أن أعرف عنها شيئاً. وإذا كان فيها ما يغضب ربك فاستغفريه وتوبي إليه. المهم أن تكوني اليوم قد حفظت هذه الحقيقة المهمة العظيمة: الله يرانا في كل مكان وزمان، ويعلم ما نخفي وما نعلن.

أجل يا ابنتي، إن لم نكن نرى الله سبحانه بأعيننا فإنه تعالى يرانا ويعلم خبايانا، يقول عز وجل ((قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله)) ويقول سبحانه ((ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب)).أينما كنت، وحيثما حللت، ومهما أغلقت من نوافذ وأبواب، وغطيت من خفايا وأسرار، فإن الله سبحانه يعلمها، ولتذكري دائماً إجابة النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال عليه الصلاة والسلام ((أن تعبد الله كأنك تراه ؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وفقك الله يا ابنتي وحفظك من كل شر و سوء.