خواطر وحكم

الحسن البصري

يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرنّ من الخير شيئًا وإن هو صغر.

تهديد هوية أمتنا قديماً 1/2

15/03/2016
الكاتب: د. غازي التوبة

إن التهديد لهوية الأمــة لـــم يتـوقــف منــذ أن كــــوّن محمد صلى الله عليه وسلّم هذه الأمة العربية الإسلامية، وجاءت هذه التهديــدات في مرحلة مبكـــرة، وخـــلال الخلافتين الأموية والعباسية.

ومن أبرز الحركات التي هددت الهوية ثلاث حركات:

الأولى، الحركة الشعوبية: هي حركة قامت على ازدراء اللغة العربية وبيانها، والتعالي على العرب واحتقار محصولهم الحضاري، وقد تولدت هذه الحركة في نهاية القرن الأول الهجري، وتضخمت في القرون العباسية الأولى.

وأبرز من قادها رجالات من العرق الفارسي، تولّد حقدهم على العرب والمسلمين لأنهم استطاعوا إسقاط الدولة الفارسية، وخير من تصدى لها الجاحظ في كتابه عن البيان وغيره من الكتب الأخرى.

الثانية، حركة الزندقة: وهي حركة تقوم على التشكيك في القرآن الكريم وتدّعي تناقض آياته الكريمة، وتباين بعض معانيه، وتقدم على ذلك بعض الأدلة من خلال استعراض بعض الآيات الكريمة.

وتقوم دعوة الزندقة أيضاً على القول بأن العقل يكفي لهداية البشرية، وأنه لا حاجة لدعوة الأنبياء.

ومما يدل على خطورة حركة الزندقة هذه، وتهديدها للخلافة العباسية في بواكير نشوئها، تشكيل ديوان تابع للخليفة مباشرة لمحاسبة أولئك الزنادقة، وقد تشكل هذا الديوان في عهدي محمد المهدي وموسى الهادي، ثالث ورابع الخلفاء العباسيين.

الثالثة، الحركـــــة الباطنيــة: وهي حركة قامت على تأويل أحكام الإسلام وآيات القرآن الكريم تأويلاً باطنياً، واستندت في تأويلاتها تلك إلى المواريث الباطنية التي كانت قائمة في المنطقة قبل الإسلام.

وانبثقت عن الحركات الباطنية حركات سياسية في بعض الأحيان، وزعزعت هذه الحركات السياسية الخلافة العباسية في مناطق متعددة.

وكان أبرز هذه الحركات الباطنية الزنج والقرامطة وبابك الخرمي الذي استولى على شرقي الخلافة العباسية، وهدد العاصمة بغداد، ثم استطاعت الخلافة العباسية التغلب عليه ودحره بصعوبة شديدة في أيام الخليفة المعتصم.

كما تصدى علماء الأمة للشعوبية - وكان أبرزهم الجاحظ - واستطاعوا دحضها، كذلك تصدى علماء الأمة لأصول حركات الزندقة والباطنية، وكان أبرز من كتب في هذا المجال أحمد بن حنبل، وتصدى لحركتي الزندقة والباطنية، فألف كتابين هما: رسالة الرد على الزنادقة والجهمية، وكتاب الزهد.

ويعتبر هذان الكتابان من أهم الكتب التي واجهت هاتين الحركتين وأصّلا لمواجهتهما واعتُبرا مرجعاً، واستفاد منهما عشرات العلماء في العصور الثانية من أجل مواجهة فروع هذه الحركات، ومن أجل التأصيل في مجال بناء العقيدة وبناء الباطن على أسس سليمة.

أما عن تهديد هوية الأمة حديثاً، فتتركز في حركتين:

الأولى، حركة التغريـب: وجاء التغريب من الاستعمار الغربي الذي احتل معظم البلاد العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وحاول فرض نموذجه الغربي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية... إلخ.

وبالفعل تأثرت طائفة من الأمة بهذا النموذج، وحملته ودعت إليه، واحتلت قمة الهرم السياسي والاجتماعي والثقافي في مجتمعنا، ورفضت طائفة أخرى تغريب الأمة، واحتدمت المعركة بين الفريقين.

وكانت الأمور خلال القرنين الماضيين بين مد وجزر، ولم تحسم لصالح طرف من الأطراف، وإن كانت هناك محطات بارزة في مسيرة التغريب في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

وأبرز هذه المحطات - التي نستطيع تسجيلها، والتي تعتبر انتصاراً للتغريب، والتي جاءت نتيجة ضغوط مادية ومعنوية من الدول الغربية على مختلف مكونات الأمة ومؤسساتها ورجالاتها -هي:

1- إصدار السلطان العثماني خط كلخانة عام 1839، الذي يعتبر بمثابة إعلان حقوق إنسان في الخلافة العثمانية، كما أصدر السلطان العثماني الخط الهمايوني الشريف عام 1856 الذي ألحق اقتصاد الخلافة العثمانية باقتصاد السوق كما أصدر السلطان العثماني دستوراً عام 1876 نص على وجود مجلس النواب وآخر للأعيان وعلى انتخابات تشريعية، وبالفعل جرت عدة انتخابات في أوقات متعددة... إلخ، كما أنشأت الحكومة نظامين من التعليم: أحدهما ديني والآخر مدني.

2- إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924، وقد أدى سقوط الخلافة العثمانية إلى خضوع معظم البلاد العربية للاستعمارَين الإنجليزي والفرنسي، ونقل هذا الاستعمار حركة التغريب من حركة ثقافية كانت تقوم على دعوة بعض الأفراد إلى حركة تقوم بها الدولة، وتفرض أحكامها بقوة التشريع والقانون وبقوة السلطة من وزارات وهيئات، وبهذا دخلت معظم الشعوب العربية - التي كانت مستعمرة - تحت معطيات التغريب الإجباري.

3- قيام (إسرائيل) عام 1948 في فلسطين بعد اقتلاع شعبها الأصلي وطردهم، ليصبحوا لاجئين خارج فلسطين، وقد مثلت إسرائيل قاعدة متقدمة للغرب، حضارياً من جهة وعسكرياً من جهة أخرى، يهدد بها كل من لا يخضع لسياساته ومخططاته، وقد حرص الغرب على أن تكون إسرائيل دائماً هي الأقوى والأغنى في المنطقة.