خواطر وحكم

الحسن البصري

يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرنّ من الخير شيئًا وإن هو صغر.

قنبلة تهدد البيوت بالانفجار.. الخيانة الإلكترونية

07/03/2016
الكاتب: إعداد: منال المغربي

زوجي خانني على الرغم من أنني لم أقصر.. كنت الزوجة المثالية أهتم بأولادي وبكل طلباته، وأهتم دوماً بمظهري وأتزيّن له. واللوم ليس فقط على زوجي فالمرأة التي تعرّف عليها هي أيضاً مشاركة في الخيانة؛ فهي تعرف أنه متزوج وأني حامل. وقد اكتشفتُ خيانة زوجي لي من خلال زيادة استخدامه لهاتفه المحمول بشكل مفاجئ، ومكوثه ساعات طويلة أمام شاشة الكمبيوتر مستخدماً مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الواتس آب والفيس بوك ليال عدة، إضافة إلى رغبته في الوحدة عند استخدام الشبكة، وظهور ملامح التوتر إذا قررت الجلوس بجانبه أثناء عمله على الكمبيوتر. كل هذا جعله يبتعد عني عاطفياً وجسدياً على حد سواء. أشعر أنّ أسرتي في خطر...

قصة حقيقية ذكرتها لنا الدكتورة رحيل بهيج (أخصائية في علم النفس العيادي -جامعة بوردو/ فرنسا) في معرض حوارنا معها حول موضوع الخيانة بين الأزواج، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في استفحالها... ولقد علّقت الدكتورة رحيل بهيج على الموضوع قائلةً: غالباً ما يرتبط مفهوم الخيانة بالعلاقة الجنسية، لكن حديثاً ومع اجتياح مواقع التواصل الاجتماعي دول العالم العربي -ومنها لبنان -بدأنا نشهد خيانة من نوع جديد؛ أطلق عليها العلماء مصطلح "الخيانة العاطفية"، وهي الخيانة التي تتمحور حول العلاقات الجانبية التي تنشأ بين نشطاء الإنترنت من خلال التواصل فيما بينهم. ولذلك أفسدت الخيانة الإلكترونية أسرنا ففككتها ودمرتها، ولا يزال الوباء مستشرياً، حاصداً مئات الضحايا، ليصبح اليوم السبب الرئيسي للطلاق...

هذا وتشير الإحصاءات إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تتسبب بـ 30% من حالات الطلاق بشكل عام. كما أنّ أكثر من ٥٠٪ من المتزوجين الذين قابلتهم خلال السنوات السابقة -في مجال عملي كأخصائية نفسية -كان لمواقع التواصل الاجتماعي الأثر الأكبر في حدّة خلافاتهم،  والتي أدت بعضها إلى درجة الخيانة الزوجية.. تأتي الزوجة في الغالب حاملة ألمها على كفها لتشكو ما تشكو من تغير جذري في سلوك زوجها بحيث يقضي الساعات الطوال مسمّراً أمام شاشة الهاتف المحمول أو الكمبيوتر، تاركاً زوجة وأولاداً يتخبطون وراء أب حاضر غائب.. هذا الواقع ينطبق أيضاً على نسائنا؛ إلا أن النساء أكثر قدرة في الغالب من الرجل على إخفاء الخيانة...

وأدْلَتِ المتخصصة الاجتماعية مايا معاليقي (باحثة اجتماعية) دَلْوها قائلة: بسبب تطور الأجهزة الذكية وتوافرها في أيدي أفراد الأسرة كافة باتت ترافقنا في كل ثانية وفي كل مناسبة وتؤنس وحدتنا مما سهّل على الكثير من ضعاف النفوس الوقوع في المحظور. فانكسار الحياء الذي تُسهِّله هذه الوسائل قد تدفع البعض إلى التطرق لأحاديث أو القيام بأعمال لا أخلاقية تخالف الدين والعادات، وتشير الإحصاءات إلى أن النساء من الفئة العمرية (٣٠ -٥٠) عاماً الأكثر إقداماً على فعل ذلك، وأظهرت دراسة على ١٧ موقعاً إلكترونياً أن ٦٥% ممن يدخلون إلى "غرف الدردشة" هم مدمنو خيانة إلكترونية (٤٥%) منهم متزوجون. إذاً هناك خلل في التعامل مع هذه الوسائل بسبب الانفتاح على استخدامها دون وضع ضوابط.

وحول أسباب الخيانة الزوجية

تقول المتخصصة النفسية رحيل بهيج: فقدان التناغم الزوجي يجعل كل طرف يعزف على آلة مختلفة. أو كأن يشعر الرجل بوجود امرأة مهتمة به فيبادلها الاهتمام؛ لأنه يفتقد هذا الاهتمام في البيت، كما أنّ إهمال الشريك وانشغاله الدائم؛ يجعل الطرف الآخر ينصرف إلى محاولة إشباع رغباته العاطفية والجنسية عبر النت.

ضعف الوازع الديني وعدم مخافة اللَّه تعالى في السر والعلن، والملل الزوجي، والفتور العاطفي بين الشريكين. متعة المغامرة والبحث عمّا هو جديد و مثير. كما أنّ الزوج قد يعاني من قصور جنسي وهو ضعيف أمام زوجته، وقد يظهر هذا القصور في مرحلة متقدمة من العمر في صورة مراهقة متأخرة. بالإضافة إلى عدم الوفاق الزوجي لسوء الاختيار أو لدور الأسرة في إتمام هذا الزواج لأسباب مادية مع تقدم العمر؛ دون الارتباط لظروف نفسية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية لدى كل من الجنسين..  هذا غير الكبت الجنسي وعدم معرفة ثقافة الجنس من جانب المختصين.. 

وتضيف الأستاذة مايا معاليقي: لكل من الزوجين أسبابه - وإن كانت غير مبررة -، فالأسباب التي قد تدفع الزوجة للخيانة: عجز الزوج عن توفير الشعور بالاطمئنان لزوجته، وفقدان الاحترام وعدم إشعارها بأهميتها، ناهيك عن زيادة متطلبات الحياة، فتلجأ الزوجة إلى من يؤمِّن لها الدعم الاقتصادي لشراء ما يعجز زوجها عن تأمينه، بالإضافة إلى الرد على خيانة زوجها بخيانتها له، ومن الأسباب تقصير الزوج في القيام بواجباته الزوجية.

أما الأسباب التي قد تدفع الزوج لخيانة زوجته: الانتباه الزائد من قبل الزوجة للأطفال، وعدم الاهتمام بالزوج؛ فيبحث عن امرأة أخرى ليثبت أنه لا يزال مرغوباً، وأيضاً عدم احترام الزوجة لزوجها واستهزاؤها به أمام أهلها أو أهله يدفعه للبحث عن امرأة أخرى تحترمه، كما أنّ عدم إصغائها له حين يشكو لها متاعبه يجعله يبحث عمّن تصغي له، بالإضافة إلى عدم اهتمامها بمظهرها داخل المنزل في ظل المغريات الكثيرة التي يتعرض لها الرجل في الخارج، كما أّن الاختلاط المستمر والدائم بين الرجال والنساء، وكثرة اللقاءات بين الأصدقاء المتزوجين تسهّل الخيانة وتزيد منها، خاصةً أنّ هناك الكثير من الناس لديهم الرغبة دائماً في الحصول على ما في أيدي الغير انطلاقاً من مبدأ: كل ممنوع مرغوب.

وعن الآثار السلبية للخيانة على الزوجين وانعكاساتها على الأسرة والمجتمع ككل تقول الدكتورة رحيل بهيج: الخيانة تؤدي إلى القلق والتوتر والشعور بالذنب والاكتئاب، وقد تؤدي إلى إهمال الطرف الآخر أو بالعكس. يشعر من يخون الطرف الآخر بأنه مهتم به لأبعد الحدود حتى لا يشعر بأنه يخونه. ومن مخاطر الخيانة الإلكترونية المقارنة بين الشريك والشخص الجديد الذي نراسله عبر الإنترنت، بغضّ النظر ما إذا كان الشخص الجديد يخبرنا بالحقيقة أم لا؛ فالشاشة تتيح لنا البوح بما نريد فقط وإظهار ما نريد إظهاره. فالخيانة الإلكترونية هي خيانة معنوية، فكرية وهوامية، تبدأ بمجرد تسلية لتنقلب - في اللاوعي أو بطريقة واعية أيضاً - إلى موضوع جدي وخطير قد يؤدي إلى انفصال الزوجين والتفكك الأسري، وبالتالي خراب المجتمع.

وتحدثت مايا معاليقي عن الأمر قائلة: الخيانة تؤثّر على الأسرة كلها، فهي تؤدي إلى تشتتها بسبب انفصال أو طلاق الزوجين، كما أن الأبناء هم ضحايا نظراً للآثار السلبية الكبيرة والطويلة المدى التي تسببها في نفوسهم بسبب الفضيحة التي ستلاحقهم، وقد تمتد تلك الأرثاء لأجيال متعاقبة يخشى فيها المجتمع من الارتباط بالأبناء الضحايا على أنهم مثار شك وعدوى لسوء الخلق. وانتشار الخيانة في المجتمع قد يسهِّل لكثير من الأزواج الإقدام عليها عند أول خلاف أو تقصير من إحداهما، مما يؤدي إلى تفشيها أكثر.

ولتفادي الوقوع في براثن الخيانة نصحت الدكتورة رحيل بهيج الزوجين بالأخذ بالنصائح الوقائية التالية: 

  • أحبب زوجتك كما هي، فالرضا هو مفتاح الحياة السعيدة. ومن ابتغى شريكاً للحياة؛ بريئاً من الهفوات.. سليماً من الزلات.. فقد طلب أمراً معجِزاً. 
  • تغافلا، تصارحا وتغافرا. يقول الإمام الشافعي رحمه اللَّه:" الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل"..
  • تزيني لزوجك.
  • تعاملا باحترام. قديماً قالوا: "جمال المرأة في أدب لسانها.. وشخصية الرجل في أسلوب حديثه"..
  • أقيما علاقتكما الزوجية على الأسس الشرعية.
  • لينظر كل طرف إلى حقوقه وواجباته.
  • افتحا قنوات الحوار وسبل الأخذ والعطاء.
  • تجنّبا التجسّس الذي هو محرّم بنص القرآن: (وَلا تَجَسَّسُوا) (الحجرات:١٢)؛ فكم هدمت الظنون السيئة من بيت! وكم حطّمت من قلب!..
  • نعم لتجديد المحبة والمودة. وكن لزوجتك كما تحب أن تكون لك في كل الميادين.. فإنها تحب منك ما تحب منها.

كما وينصح أخصائيو العلاقات بأن تكون في العلاقة الزوجية مساحة شخصية أو متنفّس؛ فتذهب الزوجة مع صديقاتها مثلاً، وتأخذ فرصة تقوم بأشياء تحبها وتشعرها بكينونتها، والرجل أيضاً من حقّه أن تتاح له هذه المساحة بأن يسافر في رحلة قصيرة، يعود بعدها أكثر نشاطاً واشتياقاً للزوجة. 

ولفتت الباحثة الاجتماعية الأستاذة مايا معاليقي إلى أمور إضافية مهمّة منها: أولاً: من الضروري أن يرتكز كل من الرجل والمرأة على اختيار الزوج والزوجة الصالحة، وعدم تغليب الجوانب المادية في مقومات الاختيار، وتنمية الوازع الديني، والحرص على عدم التعرض للفتن المثيرة للغرائز بوسائلها المختلفة.

ثانياً: يجدر بالزوجين اعتماد مبدأ المصارحة في حال تقصير أحدهما بواجباته، وعلى الآخر تقبل ذلك، والسعي دائماً لتحسين علاقتهما.

ونختم بنصيحة الشيخ ماهر الشعار الذي سألناه حول حكم الشرع في هذه المسألة:  يقول سيد الخلق صلوات ربي عليه: ألا كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِه، فالإمامُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيتِه، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه وهو مسؤولٌ عن رعيتِه، والمرأةُ راعيةٌ على أهلِ بيتِ زوجِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم... والرعاية ولاية، والولي أمين واللَّه جل جلاله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال: 27)، واللَّه تعالى وجَّه نساء النبي صلى الله عليه وسلّم أن يتجنبن في سلوكهن ما يطمع الغير فيؤدي إلى المعصية (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (الأحزاب: 32) وهن قدوة للمسلمات.

فالجاري أن انفتاح الناس بعضهم على بعض من خلال وسائل التواصل كالواتساب والفايسبوك وغيرهما قد رفع ستار الحياء وخوف الفضيحة، وسهّل تعرّض النساء للكلام الخاص المنمّق من بعض الرجال، وأتاح للمرأة إقامة علاقات صداقة معهم من خلال أجهزة الهاتف، ومن ثم الانفتاح عليهم ومناقشة المشاكل العائلية والمعاناة الزوجية انتقالاً إلى المزاح والانبساط، ومن ثم التآخي والتحابب ثم العشق والتشهي.

وقد وردت عندنا عشرات دعاوى التفريق سببها مراسلات بين زوج وامرأة أخرى، أو بين زوجة ورجل آخر تتضمن عبارات عاطفية ثم مواعيد ثم خروج من البيت، مما يثير الشكوك في حصول الخيانة الجسدية.. حيث تنتهي بخراب البيت.

إنَّ هذا الأمر يتفاقم، وأهم مخاطره الوصول إلى الفاحشة أو انعدام الثقة بين الأزواج - والثقة هي أساس المنزل - وبانعدامها تتفكك عرى الشراكة الزوجية كحال من شك في أمانة شريكه (التجاري)؛ فكانت النهاية المنطقية فك الشراكة.

إنَّ اللَّه تعالى قد حرَّم الخمر والميسر وأمر باجتنابهما كاجتناب عبادة الأوثان، لأن إثمهما أكبر من نفعهما، ولأن مآلهما إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين؛ مع أن أصلهما مباح وهو الرهان وشرب العصائر. كما أنّ الانفتاح غير المنضبط بين الجنسين من خلال التواصل الخاص هو أسوء مآلاً وأقل نفعاً ومدعاة للعداوة بل للفحشاء. واللَّه يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور: 21)